ابن خلدون

127

تاريخ ابن خلدون

والكلام يعطش التلميذ بعده إلى القراءة ومنهم الفقيه محمد بن تومرت المهدى ووصل إلى بجاية وكان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسي ونسبته إلى السوس ولم يكن لقب المهدى وضع عليه بعد وكان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه مع تغيير المنكر الذي شانه وطريقته نشر العلم وتبيين الفتاوى وتدريس الفقه والكلام وكان له في طريقته الأشعرية امامة وقدم راسخة وهو الذي أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه وتشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الاخذ عنه وتفاوضوا في ذلك وندب بعضهم بعضا إلى الرحلة إليه لاستجلابه وأن يكون له السبق باتحاف القطر بعلومه فانتدب لها عبد المؤمن بن علي فكأنه من صغر السن بنشاطة للسفر لبداوته فارتحل إلى بجاية للقائه وترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة وقد استحكمت بينه وبين العزيز النفرة وبنو ورياكل متعصبون على اجارته منهم ومنعه من أذايته والوصول إليه فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب وأدى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان فوعاها وشأنه غير شأنهم وعكف عبد المؤمن على التعليم والاخذ عنه في ظعنه ومقامه وارتحل إلى المغرب في صحابته وصدق في العلم وآثره الامام بمزيد الخصوصية والقرب بما خصه الله به من الفهم والرعي للتعليم حتى كأنه خالصة الامام وكنز صحابته وكان مؤمله لخلافته لما ظهر عليه من الشواهد المدونة بذلك ولما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من موطن الغرب الذين ذكرناهم قبل في نواحي المدينة قربوا إليه حمارا فارها يتخذه له عطية لمركوبه فكان يؤثر به عبد المؤمن ويقول لأصحابه أركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة ولما بويع له هرغة سنة خمس عشرة وخمسمائة واتفقت على دعوته كلمة المصامدة وحاربوا لمتونة نازلوا مراكش وكانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحدين الألف فقيل للامام ان الموحدين قد هلكوا فقال لهم ما فعل عبد المؤمن قالوا هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد ولما احتضر الامام سنة ثنتين وعشرين عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن واستراب من العصبية بين المصامدة فكتم موت المهدى وأرجى أمره حتى صرح الشيخ أبو حفص أمير هنتانة وكبير المصامدة لمصاهرته وأمضى عهد الامام فيه فقام بالأمر واستبد شياخة الموحدين وخلافة المسلمين ونهض سنة سبع وثلاثين إلى فتح المغرب فدانت له غمارة ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية ثم إلى مطالة ثم إلى بنى يزناسين ثم إلى مديونة ثم إلى كومية وجيرانهم ولهاصة وكانوا يلونهم في الكثرة فاشتد عضده بقومه ودخلوا في أمره وشايعوه على تمكين سلطانه بين الموحدين وخلافته ولما رجع إلى